أحمد بن محمد القسطلاني

369

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( حدّثنا معاذ بن فضالة ) بفتح الفاء ، الزهراني ، قال : ( حدّثنا هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ) بفتح الدال والفوقية مع المدّ ( عن يحيى بن أبي كثير ) بالمثلثة ( عن أبي سلمة ) بن عبد الرحمن ( عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( إذا نودي بالصلاة ، أدبر الشيطان وله ) وللأصيلي ، وابن عساكر : له ( ضراط حتى لا يسمع الأذان ) أي : أدبر وله ضراط إلى غاية لا يسمع فيها الأذان . ويحتمل أن تكون : حتى ، ليست لغاية الإبعاد في الإدبار ، بل غاية للزيادة في الضراط ، أي : أنه يقصد بما يفعله من ذلك تصميم أذنه عن سماع صوت المؤذن . لكن يدل على أن المراد زيادة البعد ما في مسلم عن جابر مرفوعًا : إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ، ذهب حتى يكون مكان الروحاء . قال سليمان ، يعني الأعمش ، فسألته عن الروحاء ، فقال : هي من المدينة على ستة وثلاثين ميلاً . قال الطيبي : وشبه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره ، ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له . ( فإذا قضي الأذان ) بضم القاف مبنيًا للمفعول ، ولأبي ذر : قضى ، بفتح القاف مبنيًّا للفاعل ، والأذان نصب على المفعولية ، أي : فرغ منه ( أقبل ) الشيطان . ( فإذا ثوب بها ) بضم المثلثة مبنيًا للمفعول ، أي : أقيم ( أدبر ) الشيطان ، ( فإذا قضي التثويب ) أي : فرغ من الإقامة ( أقبل ) الشيطان ( حتى يخطر ) . قال القاضي عياض : بكسر الطاء ، ضبطته عن المتقنين ، وهو الوجه ، يعني : يوسوس . وأكثر الرواة على الضم ، ومعناه : السلوك والمرور أي : يدنو فيمر ( بين المرء ) الإنسان ( ونفسه ) فيذهله عما هو فيه ( يقول : اذكر كذا وكذا - ما لم يكن يذكر - حتى يظل الرجل ) بفتح الظاء أي : يصير ( إن يدري ) بكسر الهمزة ، وهي نافية أي : ما يدري ( كم صلى ) . قال المهلب : وإنما يهرب الشيطان من سماع الأذان ، ويجيء عند الصلاة ، لاتفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد وإقامة الشريعة ، كما يفعل يوم عرفة لما روي من اتفاق الكل على شهادة التوحيد ، وتنزل الرحمة ، فييأس أن يردّهم عما أعلنوا به من ذلك ، ويوقن بالخيبة بما تفضل الله به عليهم من ثواب ذلك ، لئلا يسمعه ، ويذكر معصية الله ومصادمة أمره ، فلا يملك الحدث لما حصل له من الخوف . اه - . وقيل : لئلا يسمع الأذان ، فيضطر إلى أن يشهد له يوم القيامة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة . أو : هو إبقاء له على مخالفة أمر الله ، واستمراره على معصيته وعدم الانقياد إليه فإذا دعا داعي الله ، فرّ منه وأعرض عنه ، فإذا حضرت الصلاة حضر مع المصلين غير مشارك لهم في الصلاة ، بل ساعيًا في إبطالها عليهم ، وهذا أبلغ في المعصية مما لو غاب عن الصلاة بالكلية ، فصار حضوره عند الصلاة من جنس هربه عند الأذان . قاله في شرح التقريب . ( فإذا لم يدر أحدكم كم صلّى - ثلاثًا أو أربعًا - فليسجد سجدتين وهو جالس ) أي : قبل التسليم بعد أن يأخذ بالأقل ، لحديث أبي سعيد الخدري ، المروي في مسلم : فليطرح الشك وليبن على ما استيقن فيحمل حديث أبي هريرة عليه فيأتي بركعة يتم بها . قيل : ولا معنى للسجود ، والأظهر أن له معنى ، وهو تردّده . فإن كان المأتي به زائدًا فالزيادة تقتضيه ، وإلا فالتردد يضعف النية ، ويحوج إلى الجبر ، ولا يقلد غيره ، وإن كثروا وراقبوه ، لقوله في حديث أبي سعيد المذكور : وليبن على اليقين . ولأنه تردد في فعل نفسه ، فلا يأخذ بقول غيره فيه ، كالحاكم إذا حكم ونسي حكمه ، لا يأخذ بقول الشهود عليه . 7 - باب السَّهْوِ فِي الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ وَسَجَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ وِتْرِهِ ( باب السهو في الفرض والتطوع ) أي : هل هما سواء أو يفترق حكمهما . ( وسجد ابن عباس ، رضي الله عنهما ) مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي العالية ( سجدتين بعد وتره ) وكان يراه سنة ، فدلّ ذلك على أن حكمه كالفرض . 1232 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لاَ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ » . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي . قال : ( أخبرنا مالك ) الإمام ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال ) : ( إن أحدكم إذا قام يصلّي ) فرضًا أو نفلاً ، فإن قلت : قوله في الرواية السابقة